إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل.

“إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها، فليفعل”.

من خلال هذا  الحيث لنبي صل الله عليه وسلم نجد أن العمل في الإسلام  يحضى بمنزلة خاصة واحترام عظيم، ويكفي في إظهار قيمتهما قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها، فليفعل”.

 وهو “دليل على أن العمل مطلوب لذاته ، وأن على المسلم أن يظل عاملا منتجا، حتى تنفد آخر نقطة زيت في سراج الحياة”، ويعتبر الإسلام أن العمل الصالح هو جهد مبرور في سبيل الله، كما جاء في حديث كعب بن عجرة قال:«مر النبي على رجل، فرأى أصحاب رسول الله من جَلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله! فقال رسول الله: “إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج على نفسه يُعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان”.  لذا فإن العمل الصالح مهما كان ضئيلا فإنه عند الله بمكان عظيم، وفي الصحيح يقول النبي: “لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس فإن العمل النافع لا يضيع عند الله، وحتى في حق البهائم ورد في الصحيح.

وفي قصة سعد الأنصاري العامل المكافح المسلم كفاية، حيث تذكر الروايات أنّ سعداً كان في استقبال النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان عائداً من غزوة تبوك وصافح سعد النبي بيده الخشنة المليئة بالخدوش فسأله النبي عن السبب في ذلك فقال: إنّي أعمل واستعمل المسحاة والحبل لأعيل عيالي، فقام النبي الكريم بعمل عظيم حيث قبّل يده وقال: هذه يدٌّ لا تمسّها النار يحبها  الله ورسوله

قوله تعالى : “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها، فليفعل”.

 وهذه قِمَّة الإيجابية والاشتغال بالعمل مهما كانتِ الظروف المحيطة والأخطار المُحدِقة؛ لأنَّ العمل الصالح في حدِّ ذاته عبادةٌ، سواء قطَف فاعلُه الثمرةَ بنفسه، أم فعَل الله بها ما يشاء.

 وأخبرنا أنه جعل لنا النهار من أجل الرزق والسعي عليه فقال ربنا تبارك وتعالي {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} (الفرقان:47)

 {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة:105)

وفي كلٍّ لم يحدد نوع العمل.

  من جانب آخر نجد النبي يعلم أمته أن عمل الإنسان بيده مما يشرفه، فهو أزكى الكسب وشأن الأنبياء: “ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده”، وفي رواية: “كان لا يأكل إلا من عمل يده”، ويذكر النبي لأصحابه أنه “ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت، فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة”، وفي هذا إظهار لشرف العمل، وأنه سبيل أنبياء الله الكرام، ويؤكد التوجيه النبوي حرص الإسلام على كرامة العامل، ويربيه على أن يكون فعالا منتجا، لا مِنَّة للناس عليه: “لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله، أعطاه أو منعه”.

ثمار العمل الصالح

يقرر الإسلام أن العمل الصالح تمتد آثاره ثم تأتي ثماره من كل جهة، ويبين ذلك حديث النبي: “ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة”. بل إن حديث الشيخين وغيرهما عن النبي في قصة الثلاثة الذين حُبسوا في الغار، ليقرر أن أحد أسباب دفع البلاء واستجابة الدعاء، هو الإخلاص لله والأمانة في أداءِ حق العامل، لما تصنعه الأمانة في النفوس من التوازن، واليقين بأن جهد العامل لا يضيع مع مرور الوقت، وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمَّرتُ أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك: من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي! فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة،فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون”.

العمل النافع..عبادة وواجب كفائي

ينفرد الإسلام بفكرة لا يشاركه غيره فيها، وهي “أن البناء على المقاصد الأصلية يصير تصرفات المكلف كلها عبادات، كانت من قبيل العبادات أو العادات، لأن المكلف إذا فهم مراد الشارع من قيام أحوال الدنيا، وأخذ في العمل على مقتضى ما فهم، فهو إنما يعمل من حيث طلب منه العمل، ويترك إذا طلب منه الترك. فهو أبدا في إعانة الخلق على ما هم عليه من إقامة المصالح باليد واللسان والقلب، لذا فإن أي عمل نافع لا تنهى عنه الشريعة فهو عبادة وواجب كفائي “يطلب من مجموع المكلفين وذلك كتعلم الصنائع المختلفة. وأنه إذا فعله أحد المكلفين سقط الطلب عن الباقين، وارتفع الإثم عنهم جميعا، وإذا أهمله الجميع أثموا جميعا”، ولا يسقط فرض الكفاية إلا عند قيام الكفاية.

إن هدف العمل في الإسلام ليس كسب المال فقط، ففضلا عن معانيه التعبدية، فإن من غاياته تحقيق الأمن الاجتماعي بين الناس، وهذا يؤدي إلى التوازن النفسي على مستوى الفرد والجماعة، وكم من مجتمعات بلغت الغاية في الكسب المادي، ولكن أفرادها ظلت حياتهم مملوءة بالقلق والخوف والوحدة والشعور الحاد بالغربة القاتلة، وكأنها تعيش في غابة مملوءة بالوحوش الكاسرة، لذا نجد علاقات طردية بين العمل الصالح -والذي من ورائه بسط الرزق- والتوازن الاجتماعي، وهذا المفهوم يتضح من خلال الحديث الصحيح:

“من سره أن يبسط له فيرزقه أو يُنسأ له في أثره فليصل رحمه”.

اليد العليا خير من اليد السفلى

من لوازم إدراك أهمية العمل وأسباب جني ثماره، عدم الخلط بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وإلا حصلت نتائج خطيرة، ويلاحظ أن الإسلام أكد أهمية العمل ووضح المسؤولية الذاتية التي هي مناط التكليف، وكان التوجه النبوي الكريم تجاوز كل المعوقات التي قد تشل طاقة الإنسان الفعالة في العمل، وتمت ترجمة التوجيهات النبوية في المواقف العملية للصحابة الكرام، فقد “كان أصحاب النبي عمال أنفسهم، وعندما كان بعض الصحابة يعرض على أخيه أن يشاطره نصف ماله، كان يدعو له بالبركة، ثم يقول: “دلوني على السوق”، فلا يرضى إلا أن يكون العمل الجاد المشرف هو المقابل للإيثار العظيم الذي بادره به أخوه، ولقد ربى النبي أصحابه على مبدأ عظيم: “اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول”، حتى أنه كان يشجع صبيان المسلمين على العمل.

ومن أهمية العمل في الإسلام أنه أحد معايير التقييم لدرجة أن عمر بن الخطاب كان “إذا رأى غلاما فأعجبه سأل: هل له حرفة؟ فإن قيل:لا، قال: سقط من عيني”، وبلغ من حرص الأصحاب رضي الله عنهم أن “(صنع القفاف ونحوها من الخوص وهو ورق النخيل) كانت حرفة سلمان الفارسي، حتى وهو أمير في المدائن، فيعيش بها، وكان يقول: أحب أن أعيش من عمل يدي، وسار على ذلك فقهاء الإسلام الكبار يحثون الأمة على العمل.

ملاحظات أخيرة :

اليوم انتشرت تعليقات واستهزاء بكل مجتهد ومتقن للعمل .

لكن إن كل مجتهد هو متابع للحبيب المصطفى مستن بسنته لأنه صل الله عليه وسلم يقول :

 إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه.

كما ان ضعف المسلمين اليوم لكثرة لغطهم وضعف عملهم وإنتاجهم ولو أنهم اهتموا بالعمل و المنتوج في جميع الميادين لما احتاجوا لمحاجات غيرهم بل لكانوا قدوة بعملهم وأعمالهم لغيرهم .

أخيرا :

فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم:  

لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق .

فالعامل يؤجر على الكثير والقليل ولا يحتقر أي قليل فلعل به دخوله الجنة وبارك الله فيكم و جزاكم الله خيرا .

التعليقات

الموضوع منقول بالتصرف للأمانة العلمية ...

تعليق السيد المفتش غزال محمد
مفتش لغة عربية

حديث الفسيلة يحمل من المعاني و الدِّلالات التربوية ما يحمل،ليتنا نستطيع ، نحن - إطاراتِ التربية و التعليم - إقناع الأستاذَ أوَّلا بأنه يجب عليه شرعا و عقلا أن يتم عمله إلى آخر رمق في مشواره وقد رأينا في الميدان عينات من الأساتذة الأفاضل من كان في آخر موسم دراسي له ،أي في السنة الثانية  و الثلاثين و هو في أوج العطاءو أجمله و كأني به في بداية مشواره.
و ليتنا نستطيع إقناعَ المتعلم ثانيا بأنه يجبُ عليه أن يواصلَ طلبَ العلم و حضورَ الدروس حتى بعدَ اختبارات الفصل الثالث و أن لا يُمَزِّقَ الكراريسَ مُباشرةً بعدَها.

كلام صحيح وواقع مؤلم أحيانا استاذنا الفاضل ...