لماذا يكرهنا تلاميذنا ؟!

إن إشكالية التعامل مع التلميذ في المدرسة تدور حول أضلاع هذا المثلث (التّلميذ _ المربِّي _ الإدارة),هذه الأضلاع لو بنيت بينها علاقة إيجابية لتمكنا من قيادة العملية التعليمية نحو الوجهة الصحيحة , هاته العملية التي تتمثل في كل تأثير يحدث بين الأشخاص ويهدف إلى تغيير الكيفية التي يسير وفقها الآخر، والتأثير المقصود هو الذي يعمل على إحداث التغيرات بفضل وسائل تصورية معقولة، أي بطريقة تجعل من الأشياء و الأحداث ذات مغزى .

 

العلاقة بين التلميذ و إدارة المدرسة تتسم في غالب الأحيان بالتوتر والصراع وتحكمها ثنائية المد والجزر والشد والجذب فتتعالى أصوات التذمر من قبل التلاميذ لتقابلها أصوات اللوم والتقريع من الإداريين. وحتى نتمكن من بناء علاقة مثمرة بين التلميذ والإدارة, يتطلب من المدير الإلمام بأبعاد النمو المتكامل للتلاميذ للتعرف على احتياجات التلاميذ والوقوف على مشاكل وصعوبات كل مرحلة من مراحل النمو وخصائص كل منها مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الأجيال ، فتلميذ اليوم ليس هو تلميذ الأمس، ولن يكون هو ذاته تلميذ الغد. وبشكل محدد يمكن أن نجمل مهمات المدير بهذا الجانب بما يأتي :-

 

1- الاهتمام بالمشاكل والصعوبات التي تواجه التلاميذ داخل المدرسة وخارجها إن أمكن والتنسيق والتعاون بين المعلمين وأولياء الأمور على دراسة هذه المشاكل والصعوبات وإيجاد الحلول الملائمة لها .

 

2- العمل على تنمية الاتجاهات السليمة في نفوس تلاميذ مدرسته وذلك بتهيئة الجو الملائم والمناسب للطلبة لكي يمارسوا بعض الأنشطة والفعاليات التي تؤدي إلى غرس وتنمية الاتجاهات الايجابية .

 

3- تحقيق المساواة والعدالة في تعامله مع تلاميذه بحيث لا يفرق في هذه المعاملة بين تلميذ وآخر ، ويكون على استعداد لمساعدة كل التلاميذ دون تمييز .

 

4- أن يعمل على أن تكون علاقته بتلاميذه علاقة يسودها الاحترام والتقدير المتبادل، ويتيح الفرص للتلاميذ للتعبير عن آرائهم بحرية ودون تردد مما يعزز تلك العلاقة والشعور بالثقة بالنفس .

 

5- توثيق العلاقة بين التلاميذ ومعلميهم بشكل يحفظ هيبة المعلم ويجعله ملاذا وملهما لتلاميذه في الوقت ذاته، وذلك من خلال إشعار المعلمين لتلاميذهم أنهم يحبونهم ويريدون لهم الخير ويسعون للرقي بهم علما وخلقا، وهذا من شأنه أن يظهر المعلم مخلصا ومتفانيا في عمله مما ينعكس على نظرة التلاميذ للمعلم ولأهمية الدراسة؛ فعلى المعلمين تقديم أقصى ما يستطيعون من أجل نمو التلاميذ النمو السليم وصولا للأهداف التربوية التي تسعى إليها المدرسة .

 

أما فيما يخص الاستشارة التربوية وكي نتعرّف على أهم الأسباب التي تقف وراء توتر العلاقة بينها وبين التلاميذ تحدثنا إلى مجموعة من التلاميذ ورصدنا أهم الخلافات و الأسباب المؤدية إلى توتر العلاقة بين الطرفين.

التمييز بين التلاميذ وعدم المساواة بينهم في المعاملة، التشدد في بعض الإجراءات و الأمور الإدارية استعمال بعض المراقبين لمنطق القوة والتسلط في تعاملهم مع التلميذ إلى جانب العقوبات الإدارية التي يترتب عنها حرمان التلميذ من متابعة دروسه هي أهم الأسباب التي أكد عليها التلاميذ المستجوبون من خلال حديثهم عن أسباب توتر العلاقة بينهم وبين المراقبين.

يوضح التلميذ رفيق أن التلميذ عادة ما يناصب الإدارة العداء لأنها تردعه عن لهوه وعدم انضباطه، ولأن البعض من التلاميذ لا يدركون مصلحتهم ويظنون أن الذهاب إلى المدرسة نوع من اللهو وقتل للوقت ويستشيطون غضبا بمجرد وجود من يقف لهم بالمرصاد، أو يسعى ليصور لهم أن الدراسة هي انضباط والتزام بقوانين ولوائح محددة.

- إذن الدخول

يرى التلميذ عزيز أن إشكالية صعوبة الحصول على إذن الدخول تساهم في توتر العلاقة بين التلميذ و الإدارة فبعض التلاميذ يتعمدون الوصول متأخرا ويطالبون الإدارة من تمكينهم من إذن الدخول وأمام رفض الإدارة مطلبهم يتصاعد الموقف وتشتد حدة التوتر وتنطلق سلسلة من المشاحنات بين المراقب والتلميذ.

نزار يقول إن ما يثير غضبي من الإدارة هو عدم عدلها في التعامل مع التلاميذ مشيرا أن التمييز بين تلميذ وآخر في المعاملة أصبحت ظاهرة منتشرة في الأوساط المدرسية، ويضيف أنه صادف أن وقع تمكين بعض التلاميذ من إذن دخول وحرمان البعض الآخر نظرا للعلاقات الشخصية التي تربط بين أولياء هؤلاء التلاميذ والعاملين بالإدارة ، وهو تصرف يجعل التلميذ أكثر حقدا على الإدارة، وأكثر اقتناعا بعدم مصداقيتها وجديتها في التعامل مع مشكلات التلاميذ، وأكثر انتهاكا للمبادئ والقيم التي تحاول المدرسة أن تعززها في التلاميذ، هذا التناقض، يجعل التلميذ غير مقتنع بالدراسة وبقوانين المدرسة .

 

- تمرد المراهق

ويبرر التلميذ حسام بن عطية التوتر الدائم في العلاقة بين التلميذ و الإدارة إلى المرحلة العمرية التي يمر بها التلميذ ويقصد بذلك فترة المراهقة حيث يسعى التلميذ المراهق إلى إثبات ذاته وشخصيته من خلال تصرفه بأقل وعي وأكثر تهور فلا يتوانى عن إحداث الهرج داخل المدرسة وفي حال تدخل المراقب الذي يستعمل في بعض الأحيان أسلوبا عنيفا لردع التلاميذ عن تصرفاتهم العنيفة، يقع تبادل العنف بين الطرفين ويتطور الأمر إلى الأسوأ ليجد التلميذ نفسه في مواجهة عقوبة الطرد.

نأتي إلى علاقة التلميذ بالأستاذ فهي علاقة متغيّرة ومتأثرة بالتحوّلات الاجتماعية والعلاقات بين الأفراد وصورة المعلّم أو الأستاذ في القسم تكاد تكون صورة طبقا للأصل لصورة الأب داخل المنزل.

ولأن صورة الأب لم تعد كما كانت في السابق وتحوّلت من علاقة عمودية تتسم بأحادية الرأي والأمر إلى علاقة أفقية تغيّر شكل العلاقة القائمة بين التلميذ والأستاذ ولم يعد المعلم أو الأستاذ ذاك الرجل الذي نهابه ونتحاشى الاحتكاك به خوفا وخجلا بل أصبح صديقا ورفيق درب نتجاذب معه أطراف الحديث ونناقش معه شتى المواضيع و أحيانا يدخل معه بعض التلاميذ دائرة النزاعات وتصفيات الحسابات الشخصية.

وحتى نتعرف أكثر على عمق التحول الذي شهدته العلاقة بين التلميذ والأستاذ فسحت «الشروق» المجال أمام بعض التلاميذ ليتحدثوا عن طبيعة علاقتهم بأساتذتهم ويقيموا مستوى هذه العلاقة الحالية بين الطرفين.

تحدث التلميذ نزار عن العلاقة الحالية بين المعلّم والتلميذ بكل جرأة مشيرا إلى أن بعض الأساتذة ساهموا في تراجع الاحترام الذي كان قائما بينهم وبين التلاميذ باعتمادهم لأساليب فيها الكثير من اللامبالاة.

بعض الأساتذة الشبان يستعملون العنف المادي واللفظي في تعاملهم مع التلاميذ مما يجعل التلميذ يردّ الفعل بالطريقة نفسها ويتحوّل القسم إلى حلبة للصراع والسباب ويتعدى الأمر ذلك إلى التوعّد والوعيد بتصفية الحسابات خارج المدرسة.

- علاقة صداقة

قسم هام من التلاميذ عبّروا عن إعجابهم بالعلاقة الحالية بين التلميذ والأستاذ ويرون أنها أصبحت متفتحة أكثر وأكثر عمقا من ذي قبل.

وترى التلميذة سهام أنها تستطيع أن تتحدث إلى أستاذتها المفضلة في كل المواضيع وان تسرّ إليها بكل ما يضايقها دون تحفّظ لأنها تتعامل معها بطريقة غير متسلّطة ودون تعال كما يفعل بعض الأساتذة الآخرين.

بلال حمزة أيضا يؤكد ميلاد علاقة جديدة بين التلميذ والأستاذ تتمثل في مشاركة الأستاذ لمشاغل التلاميذ واهتماماتهم والتحدث إليهم بطريقة مرحة بعيدة عن التهديد والوعيد ومليئة بالنكت والطرافة مما يجعل التلميذ يقبل على الدرس ويعتبر أستاذه صديقه العزيز الذي يريد له النجاح والراحة، ويضيف بلال أن الأستاذ المرح والبعيد عن تعقيد الأمور والجدية المفرطة هو الأستاذ الأكثر قربا من تلامذته.

- علاقة توتّر

لا ينفي عدد من التلاميذ وجود علاقة متوترة بين الأستاذ والتلميذ وخاصة الأساتذة الشبان ويؤكد التلميذ آزر النجعي أن هناك سوء تفاهم قائم بصفة تكاد تكون دائمة بين الأساتذة صغار السن والتلاميذ ويمكن أن يكون السبب في ذلك هو عدم امتلاك هؤلاء الأساتذة للخبرة الكافية التي تخوّل لهم التعامل بطريقة سلسة مع التلميذ وعادة ما يبالغ هؤلاء الأساتذة في الجدية والتشدد وهذا الأمر لا يروق للمراهق الرافض بطبعه للغة التسلّط والقهر فتنطلق بذلك المشاحنات بين الطرفين وتتسبب أحيانا في فصل التلميذ عن الدراسة ودخول الأستاذ في شجارات واسعة النطاق خارج الإطار التربوي.

أما التلميذ أيمن الشريف فيؤكد أن توتر العلاقة الحالية بين التلميذ والأستاذ سببها الأساسي التهكم والسخرية من التلميذ وإطلاق بعض الأساتذة - الذين ليس لهم خبرة طويلة في التدريس- بعض الصفات والنعوت المستفزّة على التلميذ مما يجعل هذا الأخير أكثر عصبية وأقل رصانة ويدخل بالتالي في علاقة صراع مع أستاذه وهو يعتقد أن عدم سكوته على الإهانة التي لحقته من أستاذه دليل على قوّته.

 

.. يتبع بحول الله

التعليقات

لبسم الله

الاستاذ غنادرة فيصل  اعمل بالمؤسسة استاذ مادة الرياضيات الحمد لله علاقتي مع التلاميذ جيدة وانا اتعامل معهم كأخ وصديق وأنا محبوب لدى جميع التلاميذ حتى الذين لا يدرسون عندي وهذا عاد عليا سلبا من ناحية أخرى ففي بعض الاحيان اود ان اكون حازما في القسم اجد صعوبة في تهدئة بعض التلاميذ لأنهم تعودوا على الجو المفتوح الغير مقيد .

وفي الأخير اشكرك جزيل الشكر على هذا المقال الملم بجميع ظروف وعلاقة التلاميذ بالادارة والاساتذة .

تعليق السيد المفتش عزوز شعباني
مفتش التربية للتسيير المادي والمالي

انا اصبحت اتعلم من مثل هذه المقالات حقا هي في درجة عالية من الدقة الحسية و اشكرك على اهتمامك بالتلميذ لان هذا الزمن ان لم نعد فيه الى القسم و التلميذ بالذات فاننا نتوه في غياهب مصالح الكبار فالمدرسة مصلحة التلاميذ لا غير ثابري بنيتي على هذا المنهاج و اجعلي منه ثمرة عمل يظهر للعيان خارج هذا الفضاء في الفيسبوك مثلا لانه حقا يستاهل القراءة

العفو أستاذي الكريم .. مع أنه ليس لدي خبرة في مجال التدريس ولكني أعرف أنه ليس بالمهمة السهلة

أما فيما يخص التعامل مع التلاميذ فلا تكن صلبا فتكسر ولا تكن لينا فتعصر ..

أعانكم الله على أداء هاته الرسالة النبيلة

شكرا لك على المرور

يسعدني أنها راقت لك سيدي المفتش ..وهذه شهادة أعتز بها

وشكرا جزيلا على الرد المشجع .. والله يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه

موضوع طيب واسلوبه صحفي بإمتياز لا يمت للمقتصدين الذين يمنعوا من منحة البيداغوجيا وهم أهم البيداغوجيين بالمؤسسة بشيء

بارك الله فيك على الموضوع وعلى تفاصيله الصحيحة فعلا كثيرا مما سجلت استاذ موجود للأسف الشديد

لكن بالمقابل هناك اساتذة محبوبون صغار في السن وكبار هناك مستاشرين من العدل والإنصاف بما كان هناك مؤسسات يسودها الحب والإحترام وإن كان لا يخلو جوها من التعكير احيانا

لكن ان نتهم التلاميذ بانهم يكرهوننا فهذا ليس منصفالبعضنا وأحسبك منهم والله اعلم ....

وفيك بارك الرحمن سيدتي الفاضلة

أما القول : لماذا يكرهنا تلاميذنا ليس عنوانا من باب التعميم, ولكنه عنوان من باب التنبيه وتسليط الضوء على مشكلة شائعة في المؤسسات التربوية الحديثة ... وفكرة الموضوع تدعو إلى إعادة النظر في علاقة الأستاذ بتلاميذه, و أهمية أن تكون العلاقة بينهما جيدة من أجل مردود جيد .

مشكورة على المرور سيدتي المديرة .