طرق العلاج التربوية

إلى الربان الماهر الحاذق الذي يستطيع أن يدير دفة مركبه، ليوصل من معه في المركب إلى الشاطئ الذي يريدون ، إلى الشمعة التي تحترق لتضيء الدرب للآخرين، إلى الزهرة التي تذبل مع الزمن لتجعل غيرها من البراعم تنمو وتتفتح، وتأخذ دورها في الحياة، إلى من لا ينسى أبدا، فضله، إليك أخي المربي… هذه الوقفة التربوية .
أخي المربي أن الطلبة يختلفون في سلوكهم وتصرفاتهم كاختلافهم في قدراتهم العقلية وتحصيلهم الدراسي وفي الوقت الذي يتسم فيه بعضهم بالهدوء واحترام التعليمات واللوائح المدرسية تجد في المقابل من يسلك سلوكيات غير مرغوبة ويخرج على نظم المدرسة وتعليماتها .
لذا نجد أنفسنا مضطرين إلى معالجة مثل هذه المشكلات ولكن كيف يتم ذلك ؟
هل نبادر بإيقاع العقوبة عليهم من أول مرة ؟ أم ماذا ؟ إنً الإجابة عن ذلك سهلة ، إذ أن العقوبة ليست أول ما يفكر به المربي الناجح ، فالموعظة هي المقدمة ، ثم الدعوة إلى عمل الخير ، والصبر الطويل على انحراف النفوس لعلها تستجيب انسجاما مع قوله تعالى:{يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [ يونس 57 ] 
وقوله تعالى :{ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} [ النحل 125 ] 
أما إذا لم تنفع مثل هذه الإجراءات مع بعض الطلبة ، فلا بد من ممارسة الحزم في تهذيب سلوكهم لصالحهم قبل صلاح الآخرين ومن المناسب ممارسة العقوبة أحيانا ،والتهديد بها أحيانا أخرى .ولكن أخي المربي يا ترى ما المقصود بالعقوبة ؟وما هي إجراءاتها ؟. 
يمكن تعريف العقوبة إجرائيا على أنها إجراء يتخذه المدير ، أو زميلك المعلم ، أو تتخذه أنت بحق الطلبة المخالفين في المدرسة ، بسبب سلوك غير مرض قد يصدر عنهم مخالفا للتعليمات والأنظمة المدرسية ، وذلك حفاظا على نظام المدرسة ، ولتوفير مناخ تعليمي مناسب للعملية التعليمية.
يمكن تقسيم الإجراءات العقابية – كما دلنا عليها الفكر التربوي الإسلامي – متمثلا بالقرآن الكريم ، والسنة النبوية الشريفة ، وآراء المربين والتربويين الإسلاميين – وعلم النفس التربوي المعاصر – إلى سبعة أقسام هي على الترتيب : التلميح ، والعقاب ، والأشعار بعدم الرضا عن سلوك طالب ما ، والتوبيخ ، والإنذار ، والحرمان ، ثم العقاب البدني . 
إن ضرورة التدرج في استخدام العقاب مع الطلبة ، على أن نبدأ بأخفه وقعا وتأثيرا عليهم ثم نتدرج نحو الشدة ، وذلك على النحو الآتي :
1-     التلميح : إذا قام أحد طلابنا في غرفة الصف بسلوك غير مرغوب فيه ، فعلينا أن نلمح له بأن سلوكه سيؤدي إلى الفشل إذا استمر عليه مبتعدين عن التصريح وذلك عن طريق ضرب مثل يحتذى به بحضور الطلبة الآخرين ، شريطة أن نكون حريصين على عدم استعمال التهكم والسخرية ، والنقد اللاذع مع هذا الطالب المضروب بسببه المثل إلى مسمع طلبة الصف .
2-     العتاب : إذا أساء طالب التصرف في غرفة الصف ، هل يكون الحل أن تطلب منه أن يكتب موضوعا حول ( لماذا التحدث في غرفة الصف يزعج الآخرين ) ثم نناقش الطلبة عن مساوئ التحدث داخل غرفة الصف وتستمر هذه المناقشة حتى تثبت آثار التحدث السلبية أثناء الحصة في الصف في نفوس الطلبة الآخرين حتى تحملهم على تجنب هذه العادة والنفور منها . على أن يتم ذلك في وقت قصير جدا حتى لا يؤثر على وقت الدرس . وإذا عاد الطالب لهذا السلوك ثانية ، فإننا نرى أن تتبع معه السلوك الآتي : (( هذا أنت  يافلان ، أنا لا أصدق ما تراه عيناي ، أنا مندهش ، ومستغرب هذا منك ، لأنني كنت  أتوقع مساعدتك لي ، فكيف حدث هذا ، مشيرا إلى سلوك جيد صدر منه )).
3-     عدم الرضا عن السلوك : إذ أحدث أحد طلبة الصف شغبا ما ؛ فيمكنك أن تشعره بعدم الرضا عن سلوكه هذا من خلال : 
أ – إظهار عدم الرضا بافتعال العبوس في وجه الطالب مع أن العبوس هو نوع من أنواع  العقاب البسيط . وهو مظهر من مظاهر الغضب ، قال تعالى :  { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } [ الإنسان 10 ]  ولذا فإن الطالب يتأثر بهذا المظهر ، ويتجنب ما يغضبك . 
ب- الأعراض عن الطالب المشاغب : لا ضير من الإعراض عن الطالب المشاغب ، حتى 
نجنبه الوقوع في الأخطاء ، ونعدل سلوكه ، انطلاقا من قوله تعالى : { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} [ النساء 63 ] وذلك بعد أن فشل في الوعظ والإرشاد والكلمة الحسنة .
4-     التوبيخ : إن عقوبة التوبيخ هي إجراء من الإجراءات العقابية المسموح بها تربويا ، إذ يجوز لنا أن نعاقب بها إذا ما رأينا أن التوبيخ يكفي لإصلاح الطالب المخطئ وتأديبه ؛ ولكن شريطة أن لا يصل هذا التوبيخ إلى حد السباب ؛ إذ أن ذلك منهي عنه في القرآن الكريم ، قال تعالى : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة  عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } [ الأنعام 108 ]  وأن لا يصل التوبيخ إلى درجة السخرية من الطلبة المخطئين أو لعنهم حين ممارسة هذا  الإجراء عليهم ، لأن ذلك منهي عنه في السنة النبوية الشريفة ، قال رسول الله صلى الله  عليه وسلم : (( ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)) 
5-     الحرمان : إن عقوبة الحرمان إجراء من الإجراءات العقابية، نستطيع بواسطتها أن نغير سلوك الطالب المنحرف إلى سلوك آخر مرغوب ، ومن أمثلة ذلك حرمان الطالب من ممارسة النشاط الرياضي أو من الاشتراك في رحلة مدرسية أو من الاستعارة من مكتبة المدرسة أو رئاسة الأسرة الصفية بسبب عدم انضباطه في المدرسة ، ومحاولة خرق نظامها .
6-     التهديد أو الإنذار : وهو إجراء عقابي يمارس من أجل إيقاع المخالف في دائرة القلق والخوف الذي يفيد في تعديل السلوك إيجابيا ، قال تعالى : { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} 
[ الشعراء 227 ] 
وفي هذا الصدد أشار بعض المربيين المسلمين إلى أنه إذا هدد المعلم الطالب المخالف بأنه  سيعاقبه ، فعليه أن يعاقبه فعلا ، لئلا يفكر الطالب أو غيره بتكرار سوء التصرف انطلاقا  من أن المعلم لن يعاقبه ، على غرار تهديده السابق الذي لم ينفذه .
7-     العقاب البدني : بالرغم من أن الإسلام أجاز عقوبة الضرب بعد نفاذ جميع الوسائل  التأديبية الأخرى ، إلا أنه أحاطها بسياج من الشروط ينبغي على المربي المسلم ألا  يتجاوزها ، كعدم الضرب على الرأس أو الوجه أو الصدر لقوله صلى الله عليه وسلم : 
(( إذا ضرب أحدكم أخاه فليجتنب الوجه )). وعدم الضرب قبل سن العاشرة لقوله  صلى الله عليه وسلم : (( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في  المضاجع )) وعدم الضرب أكثر من ثلاث ضربات لقوله عليه السلام : (( لا يجلد أحد  فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله )). وأن يكون بكيفية معينة وبأداة مأمونة .  وأن يكون ذلك عن طريق إدارة المدرسة وبالطريقة التي تراها مناسبة .
ونقول على الرغم من ذلك كله إلا أننا نفضل أن لا نلجأ إلى هذا اللون من الإجراء  العقابي لأسباب متعددة أبرزها أن هذا الإجراء العقابي يتنافى مع سياسة وزارة التربية  والتعليم المتعلقة بتعليمات الانضباط المدرسي . حيث أنه لا يجوز العقاب البدني بأية صورة من الصور إضافة إلى أن العقاب البدني يؤدي  إلى نتائج سلبية منها : تعود الكذب خوفا من العقاب ، والمكر والخديعة بإخفاء ما 
عوقب عليه عن أعين المعاقب وإتيانه في غيبته ، والانصراف عن التعليم ، والانطواء على  النفس .
ولكن لو افترضنا جدلا أن طالبا ما ، لم تنفع معه الإجراءات العقابية سالفة الذكر  واستمر في ارتكاب الأخطاء والوقوع بها ، فيمكننا أن نكتب به تقريرا إلى مدير المدرسة  نطالبه بتقديمه إلى مجلس الإداري في المدرسة ، عندها سيصار إلى إيقاع العقوبة التربوية  المناسبة بحق الطالب ، إما بالنقل التأديبي إلى مدرسة أخرى ، وإما بالفصل المؤقت ، وإما  بالفصل من المدرسة فصلا نهائيا . 
وفي الختام … نسأل العلي القدير أن يلهمكم الصبر ويثيبكم خيرا

بقلم / عبد الله كشكو/ مجلة المعلم