في الجزائر شعار ‘ما زال واقفين’ يتغنى بالماضي وينتقد الحاضر

عندما…كنت صغيرا في ثمانينات القرن الماضي بقريتي ‘تازولت’ جنوب الجزائر كان الفاتح من نوفمبر بالنسبة لي مناسبة لانهض الساعة العاشرة صباحا لانه يوم ‘البرومي’ وأرى الرايات الوطنية معلقة فوق البيوت الطوبية المهترئة احتفالا بالمناسبة. وكنت احب نوفمبر كثيرا حتى اشاهد أفلام الثورة المسلحة على التلفزيون الجزائري، وما فعله المجاهدون ضد فرنسا ‘والنصارى’ وقراءة قصص ‘بن بولعيد وديدوش مراد وعلي لابوانت’ وارى في عيون الناس توهجا وفرحا يشبه فرحة ‘العيد الكبير.’

 

كبرت وكبرت معي احلامي واوهامي وتوجساتي وصار نوفمبر كذكرى، يتآكل بجانبي بفعل توسع حقل الادراك لدي ومساحات السؤال …والاهتزاز والضرر المتزايد على وطني الذي احببته من كتاب القراءة والمطالعة وافلام التلفزيون حول النضال وحب الوطن والكفاح. بعد ذلك جاءتنا ريح عاصفة نهاية الثمانينات تحمل نهاية مشاريع ‘التغنانت’، اللفظ الشعبي الذي يعني موشحات الكلام الكثير دون عمل، والخشونة بلا معنى في مشهد كاريكاتوري. الراحلة وردة الجزائرية تغني ‘مازال واقفين’ كما شاهدت قبل سنوات الفنانة وردية في فيلم ‘التاكسي المخفي’ معلقة على بطولة المجاهد ‘عبد القادر الزدام’ اسيادكم داروا الثورة وانتم قاعدين تخرطوا …علينا .

 

شعار ‘مازال واقفين’ اختارته الجهات الرسمية العام الماضي احتفالا بخمسينية الاستقلال والذي غنته الراحلة وردة الجزائرية، وربما كانت وصية منها للأجيال القادمة. الشعار في رمزيته أننا واقفون ضد أشكال التدخل الأجنبي والضغوطات السياسية الخارجية …والربيع العربي والحرائق المتسربلة في دوله بروائح الدم والايديولوجيا الدينية المتصاعدة. هذا هو التفسير الرسمي بيد أن الشعار له مدلولات عكسية تماما وهي إننا رغم خمسين سنة من الاستقلال مازلنا واقفين في نفس المكان مع غياب مفهوم المشاركاتية السياسية والدمقرطة وتطوير البلاد والعباد. فيما قطر مثلا، الدولة التي استقلت منذ السبعينيات فقط، احتلت العالم باستثماراتها واشترت فرنسا بفنادقها وبطولاتها وقنواتها ونحن ‘ما زال واقفين’…وجارتها الإمارات تنطح السماء بجزر اصطناعية في البحر والمحيط وهي الدولة الصحراوية ذات التاريخ المعدوم، ونحن في الجزائر رغم حضارات نوميديا الرومان ‘مازال واقفين’.

ولانعرف لما نحن واقفون …؟؟

 

الجواب نحن ‘مازال واقفين’ في نفس المكان بفعل الفساد الذي احتل المرافق العمومية وأصبح تنظيما قائما بمؤسساته وقوانينه في جميع المجالات، ونحن نرفع شعارات نوستالجية عفا عنها الزمن. المشكل هنا ليس مسؤولية الدولة كتنظيم سياسي واجتماعي وانما مجتمعية عامة بحيث ان الدول الغربية تقوم على احترام القوانين ومعرفة المواطنين لواجباتهم قبل حقوقهم، فيما نحن كنخب ومجتمعات نمطية، كثيرو الثرثرة والافتخار بالماضي والسكن والكراء فيه، ونحتاح الى اعادة هيكلة شاملة بعد 59 سنة من ثورة نوفمبر.

 

نحتاج كجزائريين الى ثورة ضد كل اشكال الكسل والاتكالية وفكر المطالبة. ووجه الغرابة ان الافارقة احتلوا ورشات البناء فيما بعض الشباب يملؤون المقاهي تكبرا عن هذا العمل رغم عدم امتلاك بعضهم سوى شهادة الميلاد، وينتظرون فتحا مجانيا من امبراطورية ‘انساج’.

 

عكس ذلك لايزال كثير من المسؤولين الواقفين والقاعدين يفتخرون ان البلاد في حصانة من الربيع العربي فيما الحقيقة اننا في عين عاصفة سياسية جارفة مرتبطة بالاوضاع المتردية على المستويات الداخلية والحدودية من تونس فليبيا ثم مالي والصحراء الغربية والمغرب…جبهات مفتوحة بحرف’الهاء’…هاء الارهاب وهاء التهريب وهاء الهجرة غير الشرعية وعلى الذين يفاخرون ان الجزائر تجاوزت الربيع وهي في الخريف الذي تتاسقط فيه الاوراق ان يتذكروا ان ثورة الفاتح نوفمبر كانت في الخريف واحداث المهجر17اكتوبر1961 كانت بالخريف وثورة الخامس اكتوبر 88 كانت بالخريف ومظاهرات 11ديسمبر 1960 بالخريف ومقابلة ام درمان بالخريف ولا احد قال منهم انه في خريف عمره …. هذا الوطن الفسيح علمني كيف احبه من كتاب القراءة بعدما دفع مليونا ونصف من الطاهرين سبيلا لحريته…. .لاجل بناء مجتمع قوي ومواطنة حقيقية ضمن قيم نوفمبر الاصيلة ….كبيرا بشهدائه وتاريخه وثرواته وربما قد لا نستحقه لجهلنا بقيمته كما تتجاهلنا نشرة الثامنة.

 

 

الجزائر تايمز/ لحسن حرمة – الجزائر

التعليقات

تعليق السيد المفتش غزال محمد
مفتش لغة عربية

الواقفون الحقيقيون يلعبون في خطوط الدفاع و الجزائر بهم و معهم بخير و لولاهم لكان السفهاء الأراذا خربوا البلاد و فتنوا العباد.

 

أتمنى أن يكون هناك ما يسمى بالواقفون ..!

بوركت مفتشنا الكريم على مرورك الطيب

بارك الله فيك لماا كل ه>ا ا التشاءم

وفيك بارك الرحمن سيدي المدير

المقال لا يدعو للتشاؤم بقدر ماهو محاكاة للواقع ..

مشكور على المرور