مستقبل التعليم والتنمية المستدامة: إلى أين؟

مستقبل التعليم والتنمية المستدامة: إلى أين؟

أولاً: المقدمة

يعتبر التعليم ومؤسساته أحد العوامل المؤثرة في عمليات النمو والتنمية الاقتصادية، حيث يُعدّ إسهام التعليم في التنمية من أهم القضايا الجوهرية التي عالجها علماء الاقتصاد والتربية، وتركز اهتمام الباحثين على العلاقة بين التعليم والتنمية وعوائدها على النمو الاقتصادي ودور القوى العاملة المدربة في ذلك. ولعل دور التعليم ومؤسساته في عمليات النمو الاقتصادي والتنمية يتحدد بأساليب متعددة، منها:

·   إن التعليم يؤثر في النمو الاقتصادي والتنمية عن طريق إكساب الأفراد المهارات المرتبطة بالعمليات الإنتاجية والإسهام في إنتاج السلع والخدمات.

·   يسهم التعليم في إكساب قوى العمل بالاتجاهات الملائمة للإنتاج، وغرس حب العمل Work Affection، لا سيما العمل اليدوي والتقني، مما يساعد على إحداث النقلة النوعية اللازمة من الإنتاج التقليدي إلى عالم الإنتاج القائم على استخدام الآلة والتقنيات الحديثة.

·   يزوّد التعليم قوى العمل بالمعارف والمعلومات والبيانات وأساليب التفكير والإبداع وحل المشكلات Problem Solvingواتخاذ القرار Decision making  وهي عوامل أساسية تؤثر في عمليات القدرة على التغيير والتطوير والابتكار والإبداع وصولاً إلى تحقيق الجودة الشاملة Total Quality.

     إذن فالعلاقة بين التعليم والنمو والتنمية الاقتصادية علاقة تبادلية أزلية راسخة وقوية، خلافاً للأدبيات التي ذهبت إلى القول بأن التعليم يختص بالجوانب الثقافية والفكرية والروحية للإنسان والتقنية، في ما تختص التنمية بالنواحي المادية.

التنمية المستدامــة:Sustainable Development

إن التنمية المستدامة " هي عدم انخفاض مستوى الرفاهية عبر الزمن "، بمعنى أن أي نمط للتنمية يهتم بتحسين مستوى رفاهية الأفراد في الوقت الحالي على حساب مستوى رفاهيتهم في المستقبل، يعدّ نمطاً غير مستدام، أي أن التنمية المستدامة تهدف إلى تعظيم النفع الصافي من التنمية الاقتصادية، مع مراعاة الحفاظ عبر الزمن على نوعية الموارد والخدمات البيئية ومستواها.

وتختلف التنمية المستدامة عن مفهوم النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية في أوجه عدّة منها:

·زيادة المدى الزمني الذي يتم التعامل معه في التحليل الاقتصادي من المدى الحالي الذي يتراوح بين 10 – 20 عاماً وفقاً للمنظور التقليدي للنموّ والتنمية الاقتصادية إلى أجل أطول يمتد ليغطي أجيالاً عدة.

·حولت التنمية المستدامة مركز اهتمام السياسات الاقتصادية من مجرد تحقيق النمو الاقتصادي - ممثلاً بنمو الناتـج المحلي الإجمالي – إلى تحقيق التنمية بمفهومها الواسع الذي يأخذ في الاعتبار الحفاظ على الموارد الطبيعية والبيئة.

·تهدف التنمية المستدامة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، ليس داخل الجيل الواحد، بل بين الأجيال المتعاقبة.

 

ثانياً :  العلاقة بين التعليم والتنميـة

تخضع العلاقة بين التعليم وجوانب التنمية المختلفة إلى المبدأ العام في التفاعل بين مختلف جوانب المجتمع، فالتعليم يؤثر في مختلف جوانب التنمية الشاملة ويتأثر بها حيث يبرز دور التعليم بشكل مباشر في تنمية الموارد البشرية التي تُعنى بعمليات زيادة المعرفة وإكساب المهارات والقدرات لقوى العمل.وتوصف التنمية البشرية بأنها تجميع رأس المال البشري واستثماره بصورة فعالة في تطوير النظام الاقتصادي، هذا فضلاً عن إعداد تلك القوى البشرية إعداداً متكاملاً عقلياً وجسمياً ونفسياً واجتماعياً لإدارة شؤون البلاد السياسية، فالتنمية البشرية تعتبر مفتاح مسايرة العصر ومتغيراته.

إذن فإن الإنفاق على التعليم يعتبر استثماراً في الإنسان ليكون ما يسمى رأس المال البشري.  وبالتالي فإن المورد البشري أضحى أكثر أهمية وتأثيراً  من المورد المادي في إنجاح جهود التنمية، بل إن المكوّن البشري أصبح أهم مكوّنات معادلة التنمية، عليه فإن التعليم يعتبر من العوامل الفاعلة في إحداث التنمية المستدامة، ولاسيما في هذا العصر الذي يتميز بالثورة المعرفية والمعلوماتية، مما أدى إلى أن يتحوّل الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد معرفي كثيف الاستخدام للمعرفة والتقانة، ولكي تتمكن الدول العربية من المنافسة في عالم الاقتصاد الكوني، وفي ظل الاتجاه نحو تحرير التجارة الدولية بعد إنشـاء WTOمنظمـة التجـارة الدولية، وفي رحـاب ظاهـرة العولمة Globalization فإنه من الضروري بمكان للدول العربية أن تتبنى نظاماً تعليمياً قادراً على تنمية القدرات الإبداعية للطلاب وتعظيم قدراتهم على التخيل والابتكار والتفكير بعيداً عن عمليات التلقين والحفظ والاستظهار وانتقال المبادرة من المعلم إلى المتعلم، ومن التعليم إلى التعلم، وبالتالي التركيز على ثقافة الإبداع دون ثقافة الذاكرة، وفي هذا السياق فإنه يتبيّن لنا أن العلاقة بين التعليم والتنمية المستدامة هي علاقة لا انفصام فيها ما دام التعليم يعد الكوادر البشرية أو رأس المال البشري.

ولكي نتمكن من استشراف مستقبل التعليم ودوره الفاعل في تحقيق التنمية المستدامة، فإنه حري بنا هنا أن نجري دراسة تحليلية لواقع التعليم العام والعالي في الوطن العربي، وتحديد أهم المعوقات والمشكلات التي أقعدته عن أداء دوره في إحداث التنمية الاقتصادية المنشودة، حيث ما زال الوطن العربي يصنف من بين دول العالم الثالث الأقل نمواً، على الرغم من الثروات الطبيعية والمادية البشرية المتوافرة فيه.

 

ثالثاً: واقع التعليم العام والعالي في الوطن العربي من التنمية المستدامة (المعوقات والتحديات)

يواجه التعليم في الوطن العربي مشكلات ومعوقات أصبح حبيساً لها منذ ثلاثة أو أربعة عقود، هي فترة الحكم الوطني في معظم دول العالم العربي، ويمكن إجمال أهم المشكلات في الآتي:

1.    عدم ربط أهداف التعليم ومضمونه بأهداف التنمية ومضامينها أفرغ التعليم من مضمونه الاجتماعي والاقتصادي.

2.  شيوع التعليم اللفظي القائم على الحفظ والاستظهار الذي يحول دون اكتساب الدارسين لمهارات العمل والإنتــاج، أدى إلى الهدر الكمي (التسرب والرسوب) والهدر النوعي (عدم إكمال الدراسة وعدم إتقان المهارات الأساسية).

3.  عدم الاهتمام  بتدريس علوم العصر (اللغات والعلوم والرياضيات وتقنيات الحاسوب) أو تدريسها بأساليب وطرائق تقليدية أنتج مخرجات غير قابلة للتدريب والتوظيف وإعادة التدريب، هذا فضلاً عن عدم التكيف مع متطلبات الاقتصاد المعرفي في عصر المعلوماتية.

4.  ضعف مستوى تحصيل الذكور مقارنة بالإناث في العلوم والرياضيات، مما أدى إلى وصول أفواج ضخمة من الإناث إلى التعليم العالي، وبما يؤثر على القدرة الإنتاجية وتحقيق أعلى درجات التنمية البشرية.

5.  ضعف الكفاءة بدرجات متفاوتة الذي تعانيه الإدارات التعليمية في المدارس وعدم قدرتها على تطوير قدراتها ومقاومتها للتغيير والتحديث.

6.  لقد أدى الخلل الهيكلي في نظام التعليم والتدريب في دول الخليج إلى ظهور خلل هيكلي في تركيبة العمالة، ومن ثم نتج خلل هيكلي في التركيبة السكانية أفضى إلى الاعتماد على عمالة وافدة رخيصة الكلفة متدنية المهارة، مما يحول دون تحقيق معدلات عالية في التنمية المستدامة من خلال إعداد القوى البشرية المواطنة وتنميتها.

7.  لما كانت معدلات توطين العمالة ترتبط ارتباطاً مباشراً بمدى كفاءة وإنتاجية نظام التعليم والتدريب في جميع المراحل الدراسية، فإنه لا يمكن تحقيق تنمية مستدامة في غياب استراتيجية الاعتماد على الذات، كما أن الفرص المتاحة للعمالة الوافدة تمثل فاقداً تربوياً وفرصاً ضائعة للعمالة المواطنة.

8.  وجود فجوة بين التعليم العام والتعليم العالي تتصل بمتطلبات التعليم الجامعي، مما يعني عدم التنسيق بين سياسات التعليم العام والعالي من ناحية، وسوق العمل من ناحية أخرى.

9.  ربط القبول بالتعليم الجامعي بأغراض التنمية والأخذ بسياسة الباب المفتوح، يزيد من صعوبة فرص تحقيق المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات التنمية، ويؤدي إلى ظهور البطالة بين خريجي مؤسسات التعليم العالي.

10.  بطء جهود تطوير التعليم العام والتعليم العالي بسبب عدم مرونة الأنظمة التعليمية وقدرتها على سرعة الاستجابة لتنوع متطلبات التنمية واحتياجاتها.

11.  ظاهرة عدم الإقبال على التعليم الفنّي والتعليم التطبيقي العالي، مما يعوق عمليات نقل التكنولوجيا وتوطينها، عوضاً عن استيراد المنتجات الغربية واستهلاكها.

12.  عدم اهتمام الجامعات ومؤسسات التعليم العالي بإجراء البحوث، ولا سيما البحوث التطبيقية والاقتصار على ما يسمّى البحوث الجامعية النظرية.

 

رابعاً :  مستقبل التعليم والتنمية المستدامة

منذ مطلع السبعينيات بذلت جهود جادة في الوطن العربي أفرزت تجارب عديدة، منها تجارب تبنتها المنظمات على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي مثل المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة Unesco(اليونسكو)، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم Alecso(أليكسـو) والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم Isesco(إيسسكـو) ومكتب التربية العربي لدول الخليج العربية. ولعل الدراسة التي قام بها مكتب التربية العربي والخاصة باستشراف مستقبل التعليم في دول الخليج العربي تصب في خانة إصلاح التعليم، والسعي إلى ربط العلاقة بين التعليم والتنمية المستدامة وتوثيقها، وتخلص هذه الدراسة إلى تحقيق المؤشرات الآتية لربط التعليم بالعمل، وهي:

‌أ.  إدخال الدراسات العملية والتقنية في برامج التعليم العام بمختلف مراحله، وهي أنشطة لا تهدف إلى مقاصد إنتاجية  بقدر ما هدفت إلى إيقاظ الوعي المهني للطلاب، وإيجاد صور لتكامل التعليم الأكاديمي بالخبرات العملية، وربط التعليم بالعمل المنتج، ولم ينجح هذا الاتجاه لأنه لم يؤخذ مأخذ الجد من الطلاب.

‌ب.الارتفاع بالتعليم الفنّي إلى ما بعد الدراسة الثانوية Post Secondaryالمتمثل في كليات التقنية التي أخذت بها دولة الإمارات العربية المتحدة وما زالت التجربة تخضع للتقويم أمام تحديات وميكانزمات سوق العمل وتغيراته.

 وما يقال عن دول مجلس التعاون الخليجي ينسحب على بقية دول الوطن العربي الأخرى التي أحدثت تطوراً في التعليم العام بدرجات متفاوتة.

  وعليه فإنه - وفي تقديري – لخلق علاقة وثيقة بين التعليم والتنمية المستدامة في المستقبل القريب، لا بدّ من الأخذ بالأفكار والمقترحات والتوصيات الآتية:

1.    الربط العضوي بين التعليم والتنمية، وتحقيق ذلك بالتناسق بين البرامج والمناهج التي تدرس في التعليم العام ومؤسسات التعليم العالي والجامعات.

2.    إنشاء مجلس لتخطيط القوى العاملة في الدول العربية، لصياغة الخطط وربط التعليم بحاجات التنمية البشرية ومتطلبات التنمية وسوق العمل.

3.    إزالة البيروقراطية في وزارات التربية والتعليم، والأخذ بمبدأ مركزية التخطيط بمركزية التنفيذ، بهدف الإسراع في التطوير التربوي في الميدان والمدرسة.

4.    التأكيد على وحدة المعرفة وتكاملها ووظيفيّتها، بحيث يدرك الطالب الربط بين الخبرات التي يكتسبها داخل الصف والمختبر بالتطبيقات والمهارات العملية الحياتية لكلّ تلك الخبرات، وتعزيز ثقافة الإنتاج وتقدير العمل.

5.    تأكيد تنمية الإبداع والتفكير العلمي المنطقي، وتنمية القدرات ومهارات التواصل والتفكير الناقد Critical Thinkingوحل المشكلات Problem Solving  واتخاذ القرار Decision Makingوالابتعاد عن الحفظ والاستظهار والنمطية Stereo-Type Thinking.

6.    إدارة التعليم العام على أساس اقتصادي والسعي لوضع المعايير المناسبة لقياس مردوده، في ظل ارتفاع كلفة التعليم، والصعوبات التي تواجه تمويله، ورفع كفاءته الداخلية للقضاء على الظواهر السلبية المتمثلة في الهدر والتسرب.

7.    تعزيز العلاقة الوظيفية بين التعليم والتدريب في مؤسّسات الإنتاج، مع الميل إلى استحداث نظم التقويم لتؤكد وتركز على قياس قدرة المتعلم على ما يمكن أن ينجزه، واكتساب مبدأ التعلم الذاتي Self  Learning  من خلال تدريب الطلاب على مهارات البحث العلمي والاستكشاف، لخلق مجتمع متعلم يسعى دوماً لتطوير معارفه ومهاراته وطاقاته، في ضوء المتغيرات السريعة المتلاحقة في الحياة وسوق العمل.

8.    توفير أفضل ما وصل إليه العصر من التقانة من فرص التعليم، ومساعدة الطلاب على تنمية القدرات العالية والمتميزة، وإتقان الكفايات التحصيلية بمستويات ومعايير عالمية.

9.    شمولية التطوير لكل العناصر والمدخلات التي يتشكّل منها التعليم العام، وعلى رأسها المعلم والموجه والمنهج وأساليب التدريس وأدوات التقويم، والاهــتمام بأسـاليب التعليم المستمر Life Long Learning.

10.  إعادة النظر في مؤسّسات التعليم العالي والجامعات، من حيث أهدافها ووظائفها، وبما يمكنها من بناء الإنسان، والوفاء بمتطلبات التنمية، ولاسيما في جانب إعداد القيادات السياسية في المجتمع وقوى العمل.

11.  توثيق العلاقة بين الجامعات ومؤسّسات الإنتاج، لتوفير فرص التدريب للطلاب في بيئات العمل، وبذلك يسهم القطاع الخاص في تحمل أعباء التعليم.

12.  تركيز الجامعات ومؤسّسات ومراكز البحث العلمي على إجراء البحوث التطبيقية(الإجرائية) Action Researchesوبما يلبي حاجات المؤسّسات الإنتاجية، ووضع استراتيجية شاملة طويلة المدى للبحوث التطبيقية.

13.    تطوير البرامج والمناهج المطبقة في الجامعات، واستحداث البرامج التي تتطلبها التنمية وتغيرات ميكانزمات سوق العمل.

14.  أن يوجه القبول في مؤسّسات التعليم العالي والجامعات ليقوم على أساس تلبية خطط التنمية، وإعداد القوى البشرية وتنميتها.

15.  الاهتمام بالتعليم العالي التطبيقي والفني لإعداد المهنيين والفنيين من الدرجة الأولى والثالثة Third Level Technicians.

16.    الأخذ بشكل واع من تجارب الدول الصناعية المتقدمة، وبما يتناسب مع بيئاتنا العربية.

17.    الاهتمام بعلوم البيئة ومواردها، وتجاوز عمليات التوعية إلى إكساب الدارسين القيم والمهارات والتعامل معها.

18.  خلق نوع من المشاركة والتكامل بين مؤسسات التعليم العالي والجامعات في الدول العربية في مجال تنمية القوى البشرية، حتى يتسنى إحلال العمالة العربية بدلاً من العمالة الآسيوية.

19.  إنشاء هيئات وطنية للاعتماد وضمان الجودة  Accreditation and Quality Assurance في وزارات التعليم العالي في الدول العربية، للتحقق من الجودة الشاملة والبرامج التي تطرحها الجامعات  بغية تطويرها وجعلها أكثر مواءمة مع احتياجات التنمية المستدامة.

 

كلمة الدكتور جمال محمد المهيري