ما هي الغاية ؟ (2)

لماذا لا يعرف الناس الغاية من أعمالهم؟ هناك عدة أسباب منها:

1- عدم التفكير في هذا السؤال أصلا وعدم تصور وجود غاية أسمى من مجرد أنه عمل ومصدر دخل.

2- الخلط بين الغاية والوسيلة أو المؤشرات، فقد يتصور المدرس أن غايته هو شرح منهج الوزارة والذي هو مجرد وسيلة، أو حصول التلاميذ على درجات عالية والتي هي مجرد مؤشرات.

3- بُعد موقع تأثير العمل عن موقع العمل، فالشخص الذي يقوم بإصلاح محطة الصرف الصحي قد لا ينتبه لقيمة عمله لأنه لا يرى أو لا يسمع عن تأثير توقف المحطة على السكان، ولكن لو رآهم وسمع شكواهم لاكتشف أنه يؤدي عملاغاية في الأهمية.

4- نتيجة لعدم معرفة الغاية السامية من العمل فإن العامل يحاول البحث عن سبب إنساني مثل مساعدة زملائه أو مساعدة التلاميذ أو المرؤوسين، ويترتب على هذا الخطأ أن يساعد زملائه على حساب نجاح المؤسسة أي على حساب خسارة المساهمين، ويساعد التلاميذ على النجاح بدون استحقاق، ويتهاون مع المرؤوسين في تقصيرهم.

لابد أن تعرف الغاية الحقيقية لكي تستمتع بعملك، وإياك أن تتوهم غاية خاطئة لأنك حينئذ ستتصور أنك تتقرب إلى اللله بما تعمل وأنت حقيقة تخالف الأمانة التي تحملتها.

أمثلة:

الطبيب: مهنة راقية، ولكن لو ذهب الطبيب لعمله وهو لا يعرف أن الغاية من عمله هي راحة المرضى فإنه سيشعر بالملل وسيعتبر أن الغاية هي أن يظهر كطبيب ناجح ليجمع المال أو يكتسب الشهرة. كيف سيتصرف في الحالتين؟ في الحالة الثانية سيحاول أن يظهر امام المريض كطبيب عليم بالطب، ولن يقبل أن يحيل المريض لطبيب أكثر علما منه بنوع معين من الأمراض، وقد يبالغ في علاج الأمراض البسيطة، وسيهتم جدا بالحصيلة المالية، وقد يقنع المريض بدواء ما مع أن غيره أفضل أو أرخص منه لأن تلك الشركة المنتجة للدواء ستقدم للطبيب بعض الخدمات، ولن يعترف بخطئه إن أخطأ. أما لو خرج الطبيب كل يوم للمستشفى أو العيادة وهو متذكرٌ أنه يتعب لكي يريح المرضى فإنه لن يتعالى عليهم، سيعاملهم برفق، سيتحمل الكثير، لن يستنكف أن يحيل المريض لطبيب آخر، لن يتكبر أن أن يفتح كتابا ليتأكد من معلومة ما، لن يتأخر عن أن يُعالج مريضا بالمجان، سيصف أفضل دواء ولكن يجامل شركة الأدوية على حساب المريض. فرق كبير في تصرف الطبيبين، وعلاوة على ذلك فإن هناك فرق كبير في الطاقة وهو ما قد يظهر في عبوس أو ابتسامة الطبيب، فإنه لأمر ممل أن تتعب كل يوم لساعات وتمر عليك حالات متشابهة وكل مريض له أسلوبه ومشاكله، فإنه لأمر مُمِل أن تفعل ذلك من أجل المال فقط، ولكن حين يكون هدفك راحة المرضى فإنك لن تمل بل ستستقبل المرضى بروح عالية وبوجه طلق.

لماذا لا تجد طبيبا يقول أنه يحتقر مهنته، أو أنها مهنة تافهة؟ لأن هناك من يذكره كل يوم بأن عمله هو سبب لراحة المريض من الألم، فحين يرى المرضى يتنظرونه ويصفون له الألم فإنه يتذكر أن عمله له غاية عظيمة. بعض الأعمال تكون غايتها ظاهرة وبعضها تكون غايته غير ظاهرة وفي هذه الحالة يكون البحث عنها وتذكير النفس بها وتذكير العاملين بها أمرا مهما.

الكناس: لو خرج الكناس صباحا لكي يزيل القمامة من الطريق لكي يحصل على الأجر فإنه يخرج وهو يشعر بانه يؤدي عملا هو من أقل الأعمال تواضعا، ويتمنى لو كان يؤدي عملا أرقى، وينعكس ذلك على أدائه فهو بالكاد يجرر رجليه، أما لو علم أن الغاية من عمله هو خلق بيئة جميلة تسعد الناس، وتقلل من تعرضهم للأمراض لخرج فخورا بمكنسته، ولاجتهد ليسعد الناس، ولحاول أن تكون منطقة عمله أنظف المناطق، ولسعد برؤية الناس وهم يمرون عليه مبتهجين، ولابتسم تلقائيا لأن عمله يؤدي للسعادة.

لو اعتقد الكناس أو مدير الكناسين أن الغاية من عمله هو إزالة الأوراق والتراب من الطريق بالمكنسة التي يحملها فإنه لن يُبدِعَ في عمله ففكره انحصر في مكنسته وفي التراب والأوراق، ولكنه لو فكر في الغاية الأكبر وهي خلق بيئة جميلة تسعد الناس وتقلل من تعرضهم للأمراض فإنه قد يبتكر طرقا أخرى لرفع الأوراق والتراب من الطريق، وربما أضاف أعمالا أخرى لتقليل انتشار الميكروبات في الطرق، وربما نظم مواعيد جمع القمامة بحيث تقلل من التلوث والروائح الكريهة. التركيز على الوسيلة مثل المكنسة أو منهج الوزارة يقتل الإبداع ويجعل الكناس أو المدرس يعيش حبيسا لوسيلة محدودة ولأصبحت هي غايته وصار العمل مملا.

مهندس التخطيط: قد تظن أن الغاية من وظيفة مهندس التخطيط هي إصدار الخطط، ولكن في الحقيقة فإن الخطط هي مثل المكنسة أو منهج الوزارة، فمهندس التخطيط وظيفته تنظيم العمل في المؤسسة بحيث تؤدي لنجاح المؤسسة. حينما يعتقد مهندس التخطيط أن غايته هي إصدرا الخطط فإنه سيشعر أن عمله غير مهم، ولن يهتم بتطبيق الخطط من عدمه، ولن يغادر حدود مكتبه سوى لدورة المياه أو الصلاة، ولن يحاول بحث أسباب عدم تنفيذ الخطط، بل ولن يسأل نفسه إن كانت الخطط تؤدي لتنظيم العمل أم يمكن استبدالها بطريقة تنظيمية أخرى. أما حين يعرف أن غايته هي تنظيم العمل فإنه سيكون حريصا على إصدار خطط دقيقة تناسب الطلب والإمكانيات، وسيتابع تنفيذ الخطط، وسيكون شغوفا بسماع أي شكوى حول أخطاء الخطة أو صعوبة تطبيقها، وسيتواجد في مواقع تنفيذ الخطط ليعرف إن كان نجح في تنظيم العمل أم لا، وسيبحث دائما عن طرق مبتكرة لتنظيم العمل.

مهندس السلامة: مهنة لا يحبها أكثر المهندسين لأنهم يظنون أن الغاية منها هو التأكد من اتباع متطلبات السلامة المعنية من ارتداء خوذة أو المرور في الأماكن الآمنة وخلافه، فليس في هذه المهنة بهذه الطريقة أي إبداع، وعندما يقارن مهندس السلامة نفسه بمهندس الإنتاج فإنه يعتقد أن عمله تافها فهو لا ينتج ولا يقوم بحل مشكلات المعدات المعقدة. ولكن لو علم مهندس السلامة أن الغاية من عمله هو تقليل الإصابات أي الحفاظ على العاملين سالمين فإنه سيجد عمله أرقى من أي عمل مرتبط بالإنتاج أو المعدات، فليس هناك أهم من الأرواح، بل وعمله هذا يقارن بعمل الطبيب فكلاهما يهدف لراحة الناس. وحينما يفكر في هذه الغاية فإنه سيكون متحفزا لأداء عمله، ولن يقف عند حدود تعليمات السلامة بل سيفكر في طرق مبتكرة للحفاظ على سلامة العاملين. بل وسيمر في مواقع العمل ويبحث عن مصادر الخطر التي لا ينتبه لها العاملون، ويقترح وسائل لتأمين سلامة العمال، وسيشعر أن عنله هذا مشابه للطبيب الذي يكتب الدواء.

رئيس المؤسسة: من الطبيعي أن يبحث رئيس المؤسسة عن الربح ولكنه حين يظن أن هذه هي الغاية فإنه سيملُّ من عمله … نعم سيجد عمله مُمِلّا رغم مكانته المرموقة ومهامه الشاقة، وسيصبح ماديا بطريقة مُنفِّرة، ولكن حينما يفكر رئيس المؤسسة أن غايته هي بناء مؤسسة ناجحة تؤدي لنمو المجتمع والعاملين فإنه سيجد عمله رائعا. حينما يقف رئيس المؤسسة عند الربح فإنه سيفتقد اي جانب إنساني في العمل، وستكون فرحته بتحقيق الأرباح فرحة مادية متواضعة لا تقارن بفرحته بأن نجاح المؤسسة أدى لتوفير فرص عمل للشباب، وتنمية العاملين، وتحقيق أرباح للمساهمين، ودفع ضرائب تستفيد بها الدولة، والمساهمة في بناء بيئة عمل نظيفة أخلاقية راقية.

حينما يفكر رئيس المؤسسة في الأرباح فقط فإنه لن ينظر للمستقبل البعيد، ولن يلتزم بأخلاقيات العمل، ولن يحاول تنمية المؤسسة، ولن يحاول تحسين أساليب العمل، ولكن عندما ينظر للغاية الأسمى من عمله فإنه سيحاول بناء مؤسسة قوية تنجح على المدى القصير والبعيد.

وعلى الجانب الآخر فقد يعتقد رئيس المؤسسة أن غاية عمله هو توفير فرص عمل ومساعدة أقاربه ومعارفه، وبناء على ذلك تجده يقوم بتشغيل أصدقائه وأبنائهم، ويوقم بتوفير فرص عمل كثيرة حتى تفشل المؤسسة ويخسر العاملون والمساهمون والمجتمع. لابد من معرفة الغاية الحقيقية وألا نقف عند الوسيلة لتحقيق الغاية أو نضع غاية سامية ولكنها خاطئة، فرئيس مؤسسة هادفة للربح لا يمكن أن يحولها لمؤسسة خيرية لأنه لا يمكنه أن يحقق الغاية الحقيقية وهي بناء مؤسسة ناجحة تفيد المجتمع عن طريق زيادة العاملة وتعيين المعارف.

السائق: ما هي غاية السائق؟ توصيل الراكب أو الركاب بسلامة وسعادة لكي يتمكنوا من قضاء مصالحهم او أعمالهم في مواعيدها دون تأخير أو إرهاق، ولكن السائق قد يظن أن وظيفته هي توصيل الركاب أي مجرد قيادة السيارة وبالتالي فهو لا يبالي براحة الركاب بل يبالي براحته هوشخصيا، ولا يبالي بشعور الركّاب بالأمان أو التوتر أثناء الرحلة، ولا يبالي بأي شيء إلا أنه يقود السيارة أو الحافلة. هذا السائق سيشعر هو نفسه أنه يقوم بعمل متواضع جدا وأن أي مهنة أخرى هي أرقى من مهنته. أما حينما يضع السائق نصب عينيه أنه يقوم بتوصيل الناس لكي يؤدوا عملهم أو مهامهم وهم سعداء سالمين فإنه سيعتني بشكله، وسيقود السيارة بطريقة آمنة وراقية، ولن يتشاجر مع السائقين حوله، ولن يُدَخِّن  وهو يقود، ولن يتحدث في التليفون ويزعج الركاب، وسيحاول الحفاظ على مواعيده، وسيبحث عن راحة الركاب وأن يغادروا السيارة وهم مبستمون. بل والأكثر من ذلك فإن هذا السائق قد يجد طرقا أخرى مبتكرة لتوصيل الناس بطريقة مربحة وسعيدة وقد يترتب على ذلك أن يتوسع عمله وقد يصبح ثريا، بينما السائق الآخر سيظل ممسكا بنفس عجلة القيادة والسيجارة في يده والمحمول على أذنه.

مهندس تشغيل المصنع: قد يظن مهندس التشغيل أن غايته هي إبقاء الماكينات في حالة التشغيل أو قد يرقى بتفكيره فيظن أن غايته زيادة الإنتاج أو تقليل التكلفة، وهذا يؤدي إلى أنه يرغب في أن تعمل الماكينات دائما ويحاول زيادة الإنتاج بأي شكل. وفي الحقيقة فإن غاية مهندس التشغيل هو تمكين المؤسسة من النجاح، والمؤسسة لن تنجح بمجرد زيادة الإنتاج أو تقليل التكلفة، فالإنتاج الزائد عن حجم الطلب سيضر المؤسسة، وتقليل التكلفة على حساب تأخير تسليم طلبات العميل سيؤدي لهروب العملاء وتقليل الطلب. تمكين المؤسسة من النجاح يكون بجعل المعدات جاهزة للتشغيل دائما وبإنتاج الكميات المطلوبة أو المتوقع بيعها بجودة عالية وفي الوقت المحدد.

وقد يتصور مهندس التشغيل أن مؤشرات الإنتاج هي الغاية فيسعى لتحسين بيانات الإنتاج وذلك بالإنتاج الزائد أو إخفاء مشاكل المصنع، وكل هذا يؤثر سلبا على الغاية الحقيقية وهي تمكين المؤسسة من النجاح.