كيف نبني شخصيتنا الفاعلة

إن من أهم الحاجات الأساسية في حياة الإنسان أن توضع بعض الحدود لتصرفاته، وأن تُحترم هذه الحدود. وقد يتم التصريح عن هذه الحدود التي يجب احترامها في القوانين. إن هذه الأنظمة والقوانين تبيّن لنا الطرق التي نستطيع من خلالها منع نمو الأعشاب الضارة في حديقتنا. عندما يراعي الفرد هذه الحدود المكتوبة أو غير المكتوبة، المرئية أو غير المرئية، يتحول إلى إنسان ذي شخصية عالية مستقيمة. أما إذا قام هذا الإنسان بمخالفة هذه الأنظمة التي تحافظ على الحياة الاجتماعية ورفض تطبيقها، فإنه سوف يدمر نفسه بنفسه عاجلاً كان أم آجلاً.
إن أكبر عقبة أمام التحسين والإصلاح، هي ألا يتحمل الإنسان أية مسؤولية، وأن يعيب الآخرين دائماً دون الالتفات إلى عيوب نفسه التي لا تعد ولا تحصى. وإذا نسي الناس صدق ضميرهم، سخر منهم ضميرهم ودفعهم إلى إيجاد الحجج والمبررات لكل أقوالهم وأفعالهم، حيث هناك رغبات جُبِلَت عليها فطرة الإنسان تشكل الأساس لخرقه القواعد والقيم الأخلاقية. نعم، إن الطموح إلى النجاح والفوز والصدارة والارتقاء، والصعود إلى القمة، والشهرة والتباهي على الآخرين... تقود الإنسان إلى خرق القواعد والأنظمة. ولكن إذا استطاع هذا الإنسان تربية شخصيته وأعدها للتعامل الصحيح مع حوادث الحياة، عندها يمكنه كبح طموحاته هذه وتوجيهها ضمن الأطر المشروعة، ووفق المبادئ والقيم الأخلاقية السامية.
عندما نسعى إلى تربية أناس صالحين ذوي شخصيات متميزة، مستقيمين في تصرفاتهم وأقوالهم، عندئذ نستطيع أن نعيد مكانتنا التي فقدناها منذ سنين، ونُوصل أنفاسنا وأنفاس أجدادنا الأجلاء المليئة بالحب والرحمة إلى كل بقعة على تربة هذه الأرض. كما أن هذا يرتبط بالاهتمام الخاص في تربية الشخصية في مدارسنا، والقدرة على نقل القيم النبيلة إلى أطفالنا في الحاضر والمستقبل.
الصراع الذي يعيشه الإنسان في داخله تجاه تربية شخصيته، تجعله يغدو ويروح بين الالتزام والمعارضة للقيم الأخلاقية والقوانين، وبين رغبة امتلاك كل شيء ومقاسمته مع الآخرين، وبين الشعور بالخضوع للأنظمة الراهنة أو عصيانها. لكن يجب ألا ننسى أنه لا أحد يستطيع أن يُرغم الإنسان على القيام بشيء دون رغبته وإرادته، فإذا تم ذلك فهذا يعني أن ذلك الإنسان يعيش ضعفاً في الإرادة والشخصية.
هناك مقولتان تعدان موضوعاً مشتركاً بين اليونانيين القدماء والبابليين والسومريين، الأولى: "اعرف نفسك" والثانية: "كن معتدلاً في كل شيء". تشير هاتان المقولتان إلى مدى أهمية تربية الشخصية في جميع الثقافات. فإنهما لافتتان للنظر إلى حدٍ بعيد، خاصة من ناحية التأكيد على أهمية الوسطية والتوازن. هناك نقطة أخرى مشتركة بين الثقافات في تربية الشخصية وهي أن يعرف الإنسان عيوبه، وأن يتأمل ملياً في كيانه وذاته حتى يستطيع رؤية عالمه الداخلي وصفاء روحه وجوهره. إن معرفة الذات خصلة ضرورية ليس فقط من أجل الحصول على شخصية قوية، بل من أجل معرفة خالق هذه الذات ومربيها. وكم أحسن القائل عندما قال: "اعرف نفسك، وليكن مرادك معرفة الله، ومَن عرف نفسه، فقد عرف الله".
إن الطريق التي تُكسِب الإنسان شيمته وشخصيته، ليس فقط بالتركيز على الأخطاء والمساوئ والابتعاد عنها، إنما بالتركيز على الصواب والخير والسعي من أجلهما...